أحمد بن علي القلقشندي

242

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أقول لنفسي حين خوّد رألها : رويدك ( 1 ) لما تشفقي حين مشفق رويدك ( 2 ) حتّى تنظري عمّا تنجلي عماية هذا العارض المتألَّق والرّأل : النعام ( 3 ) ، والمراد أن نفسه فرّت وفزعت ، شبه بإسراع النعام في فراره وفزعه ، فلما أورد ذلك على سبيل المجاز زال بعض القبح . قال : وهذا يدركه الذوق الصحيح ، فهي في بيت أبي تمّام قبيحة سمجة ، وهاهنا بين بين ، ويقاس على ذلك أشباهه ونظائره . النمط الثاني - ما يترجح فيه فعل الأمر والمستقبل في الاستعمال على الفعل الماضي وذلك في مثل لفظة ودع ، وهي فعل ماض ثلاثيّ لا ثقل بها على اللسان ، ومع ذلك فإنها لا تستعمل على صيغتها الماضية إلا جاءت غير مستحسنة ، فإذا استعملت على صيغة الأمر أو الاستقبال جاءت حسنة بهجة رائقة ؛ أما على صيغة الأمر فكما في قوله تعالى : * ( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا ) * * ( 4 ) ولم ترد في القرآن الكريم إلا على هذه الصيغة ؛ وأما على صيغة الاستقبال فكقول النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقد واصل في شهر رمضان فواصل معه قوم ، فقال : « لو مدّ لنا الشّهر لواصلنا وصالا يدع له المتعمّقون تعمّقهم » . وقد استعملها أبو الطَّيّب على هذا الوجه في قوله : تشقّكم بقناها كلّ سلهمة ( 5 ) والضّرب يأخذ منكم فوق ما يدع فجاءت في كلامه بهجة رائقة ، وأما الماضي من هذه اللفظة فلم يستعمل إلا شاذا ولا حسن له ، كقول أبي العتاهية : أثروا فلم يدخلوا قبورهم شيئا من الثّروة التي جمعوا وكان ما قدّموا لأنفسهم أعظم نفعا من الذي ودعوا

--> ( 1 ) في الحماسة : « مكانك » . ( 2 ) في الحماسة : « مكانك » . ( 3 ) في اللسان : الرّأل : ولد النعام . ( 4 ) الأنعام / 91 . وكان عليه أن يمثّل بقوله تعالى : « ودع أذاهم » . ( 5 ) السّلهمة : القناة الطويلة الضامرة . ( القاموس : 4 / 133 ) .